مدى الالتزام القانوني بتوريد جزء من حصيلة الجزاءات المالية في ظل قانون العمل الجديد

يثور تساؤل بين العاملين في مجال الموارد البشرية وشؤون العاملين في الوقت الحالي عن الالتزام القانوني بتوريد جزء من حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على العاملين في منشآت القطاع الخاص المخاطبة بقانون العمل، الى المؤسستين الثقافية و الاجتماعية العمالية وهل لا يزال هذا الالتزام قائماً بعد أن دخل قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ حيز التنفيذ منذ سبتمبر ٢٠٢٥ من عدمه؟

وفي هذا البحث، نتناول بالأدلة القانونية وآراء الفقه والقضاء مدى استمرار هذا الالتزام من عدمه في ظل تطبيق القانون سابق الذكر.

أولاً: سبب هذا اللغط

حتى يتسنى لنا البدء في هذا الموضوع، يجب أن نتساءل أولاً عن مصدر هذا الالتزام ابتداءً. وقد كان هذا الالتزام متعارفاً عليه في ظل قانون العمل السابق الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣، حيث جاءت المادة (٧٥) من القانون بقولها:

"على صاحب العمل قيد الجزاءات المالية التي توقع على العمال في سجل خاص، مع بيان سبب توقيعها واسم العامل ومقدار أجره، وأن يفرد لها حساباً خاصاً، ويكون التصرف فيها طبقاً لما يقرره الوزير المختص بالاتفاق مع الاتحاد العام لنقابات عمال مصر".

من هذا النص يستخلص أن الجزاءات المالية الموقعة على العمال يجب أن يُعد لها سجل خاص وحساب خاص، أما التصرف فيها فيكون بموجب قرار يصدره الوزير المختص. وهنا يجب أن نلاحظ أمرين:

1.     أولهما: أن قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣ قد ترفع عن تحديد مصارف هذه الحصيلة.

2.     وثانيهما: هو أن القانون سالف البيان قد أعطى السلطة -لتوضيح آلية التصرف في الحصيلة- للوزير المختص، وهو ما يعد تفويضاً من القانون للسلطة التنفيذية متمثلة في وزير القوى العاملة بجزء من مهام السلطة التشريعية، وهو الأمر الذي يعد أمراً دستورياً وفق الإطار الذي وضعه الدستور المصري في المادة (١٧٠) من دستور ٢٠١٤ وما يقابلها من دستور ١٩٧١ في المادة (١٤٤).

وعليه، صدر قرار وزير القوى العاملة رقم ١٢٣ لسنة ٢٠٠٣ بشأن "التصرف في حصيلة أموال الجزاءات المالية الموقعة على العمال"، والذي جاءت المادة الثانية منه بقولها:

"تصرف حصيلة أموال الجزاءات الموقعة على عمال المنشأة في الأغراض الاجتماعية والثقافية والرياضية لعمال المنشأة".

لتضع بذلك قاعدة عامة بمصارف هذه الحصيلة. ومن ثم جاءت المادة السابعة بتخصيص جزء من الحصيلة لصالح المؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية التابعتين للاتحاد العام لنقابات عمال مصر:

"على المنشآت التي يسري عليها أحكام قانون العمل أن تورد ثلث حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على العاملين لديها كل ستة أشهر، على النحو التالي:

- (٧٠٪) للمؤسسة الثقافية العمالية.

- (٣٠٪) للمؤسسة الاجتماعية العمالية".

ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا التخصيص لجزء من الحصيلة قد جاء متسقاً مع نص المادة (٧٥) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣، والذي أعطى للوزير المختص الحرية الكاملة في تحديد مصارف حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على عمال المنشأة، نائياً بمواده عن تحديد مصارف هذه الحصيلة.

ثم تم تعديل حكم المادة السابعة من القرار رقم ١٢٣ لسنة ٢٠٠٣ بقرار آخر صدر من وزير القوى العاملة والهجرة برقم ٣٧٢ لسنة ٢٠١٣، لينص في المادة السادسة على:

"على المنشآت التي يسري عليها أحكام قانون العمل أن تورد ثلث حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على العاملين لديها كل ستة أشهر على النحو التالي: جمعية نشر الثقافة لوزارة القوى العاملة والهجرة (مجلة العمل)".

وقد استمر العمل بهذا الحكم منذ نشر هذا القرار في ٢٧/١٠/٢٠١٣ حتى صدور قرار وزير القوى العاملة رقم ١٢٧ لسنة ٢٠١٤ في ٣١/٣/٢٠١٤، والذي أعاد للمؤسستين ما قد كان مقرراً لهما بموجب قرار ١٢٣ لسنة ٢٠٠٣، حين نصت المادة السابعة من القرار الأخير على:

"على المنشآت التي يسري عليها أحكام قانون العمل أن تورد ثلث حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على العاملين لديها كل ستة أشهر، على النحو التالي:

-(٧٠٪) للمؤسسة الثقافية العمالية.

-(٣٠٪) للمؤسسة الاجتماعية العمالية".

وقد استقر هذا الحكم والخاص بتوريد جزء من حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على العمال منذ عام ٢٠١٤ حتى تاريخ تطبيق قانون العمل الحالي الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥، والذي جاء بأمر تشريعي مغاير حينما نصت المادة (١٥٣) منه:

"يجب على صاحب العمل أن يمسك سجلاً ورقيًا أو إلكترونيًا لقيد الجزاءات المالية الموقعة على العمال، مع بيان سبب توقيعها واسم العامل ومقدار أجره، وأن يفرد لحصيلتها حساباً خاصاً للصرف على عمال المنشأة فى الأغراض الاجتماعية والثقافية والرياضية، ولا يجوز صرف هذه المبالغ للوفاء بالالتزامات المنصوص عليها فى المادة (٢٧٢) من هذا القانون وتوزع حصيلة تلك الأموال عند تصفية المنشأة بالتساوى على العمال الموجودين بها وقت التصفية."

ومن هنا كان التساؤل عن مدى استمرار توريد الحصيلة الخاصة بالمؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية والمتمثلة في ثلث حصيلة الجزاءات المالية الموقعة على العمال، وما إذا كان سيصدر قرار من السيد وزير العمل بهذا الأمر ضمن القرارات التنفيذية للقانون من عدمه. وهنا يجب أن نوضح بأننا أمام رأيين:

الرأي الأول: يرى استمرار توريد الحصيلة السابق إيضاحها إلى المؤسستين السابق بيانهما، وذلك تطبيقاً للمادة السابعة من قرار وزير العمل رقم ١٢٧ لسنة ٢٠١٤، وعلى سند من القول بأن قانون العمل الحالي الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ قد أورد حكماً انتقالياً في مادته الحادية عشرة من مواد الإصدار بقولها:

"يصدر الوزير المعني بشئون العمل القرارات المنفذة لأحكام هذا القانون والقانون المرافق خلال مدة لا تجاوز تسعين يومًا من تاريخ العمل به، وإلى أن تصدر هذه القرارات يستمر العمل بالقرارات السارية في هذا الشأن".

وعليه، فإن القرارات السابقة المنفذة لأحكام قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣ تبقى سارية إلى أن تصدر القرارات المنفذة الجديدة.

إلا أن هذا الرأي مردود عليه بذات المادة (الحادية عشرة إصدار)، حيث استطرد المشرع بقوله:

"...وإلى أن تصدر هذه القرارات يستمر العمل بالقرارات السارية في هذا الشأن بما لا يتعارض وأحكام هذا القانون والقانون المرافق".

الأمر الذي يضع شرطاً أساسياً لاعتبار القرارات السابق إصدارها في ظل قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣ سارية في ظل قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥، وهذا الشرط هو عدم معارضة أحكام القرارات السابقة لأحكام القانون الحالي.

وهنا يثور التساؤل: هل توريد جزء من حصيلة الجزاءات لصالح المؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية يعتبر مخالفاً لأحكام قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥؟

حيث إنه إن كان كذلك، وجب إهمال أمر توريد جزء من الحصيلة وعدم الاستمرار في تنفيذ قرار وزير القوى العاملة رقم ١٢٧ لسنة ٢٠١٤ في هذا الشأن.

وعليه يجب أن ننتقل إلى الرأي الثاني والقائل بعدم إلزامية توريد حصيلة الجزاءات لصالح المؤسستين سابقتي البيان، وذلك للأسباب التالية:

 

 

ثانياً: الأسانيد القانونية لعدم إلزامية توريد حصيلة الجزاءات

١. الفارق بين صيغتي التشريع في قانون العمل السابق والقانون الحالي

أول ما يمكن ملاحظته هو الفارق بين صيغتي قانون العمل السابق والحالي؛ ففي الوقت الذي كانت تنص فيه المادة (٧٥) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣ على:

" على صاحب العمل قيد الجزاءات المالية التي توقع على العمال في سجل خاص... ويكون التصرف فيها طبقاً لما يقرره الوزير المختص بالاتفاق مع الاتحاد العام لنقابات عمال مصر"

وهو ما يوضح أن المشرع لم يحدد مصارف هذه الحصيلة وفوض الوزير المختص بتحديدها

أما النص الحالي في قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ فقد جاء مختلفاً بالكلية، حيث إن المشرع قد تدخل بنفسه وحدد بشكل قطعي مصارف هذه الحصيلة بالنص في المادة (١٥٣) بأنه:

"يجب على صاحب العمل أن يمسك سجلاً ورقيًا أو إلكترونيًا لقيد الجزاءات المالية الموقعة على العمال، مع بيان سبب توقيعها واسم العامل ومقدار أجره، وأن يفرد لحصيلتها حساباً خاصاً للصرف على عمال المنشأة فى الأغراض الاجتماعية والثقافية والرياضية، ولا يجوز صرف هذه المبالغ للوفاء بالالتزامات المنصوص عليها فى المادة (٢٧٢) من هذا القانون وتوزع حصيلة تلك الأموال عند تصفية المنشأة بالتساوى على العمال الموجودين بها وقت التصفية."

وعليه، فإن القانون الحالي لم يمنح السلطة التنفيذية أي حق في تحديد مصارف هذه الحصيلة، وإنما قد استأثر بهذا الأمر لنفسه ووضح بشكل قطعي هذه المصارف بقوله: "للصرف على عمال المنشأة في الأغراض الاجتماعية والثقافية والرياضية". وبناءً على ذلك، فإنه من غير المتوقع أن يتم اقتطاع جزء من هذه الحصيلة لصالح أي جهة أية ما كانت بالمخالفة لنص المادة (١٥٣) من القانون الحالي.

٢. تجاوز الوزير المختص لحدود اختصاصه المكفولة قانوناً ودستورياً (في حال صدور قرار بالتوريد)

أما الجزء الثاني من الرد، فإنه يتمثل في عدم جواز إصدار قرار وزاري من الأساس متعلقاً بتوزيع حصيلة الجزاءات، فضلاً عن اقتطاع جزء منها لصالح المؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية. ذلك أن القرار الإداري إنما يعتبر من أعمال التشريع التي لا تجوز من حيث الأصل أن تمارسها السلطة التنفيذية، ولكن خروجاً على هذا الأصل قد جعل الدستور المصري للسلطة التنفيذية أحقية إصدار القرارات الإدارية المنفذة والشارحة للقوانين ولكن على سبيل الاستثناء وبتفويض من التشريع ذاته، وذلك حينما تم النص في المادة (١٧٠) من الدستور المصري على:

"يصدر رئيس مجلس الوزراء اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعطيل، أو تعديل، أو إعفاء من تنفيذها، وله أن يفوض غيره في إصدارها، إلا إذا حدد القانون من يصدر اللوائح اللازمة لتنفيذه".

وفي هذا الشأن، قضت المحكمة الدستورية العليا في قضاء مستقر لها:

"كما أن من مقرر كذلك في قضاء هذه المحكمة أن الأصل أن السلطة التنفيذية لا تتولى التشريع، وإنما يقوم اختصاصها أساسًا على إعمال القوانين، وتنفيذها، غير أنه استثناء من هذا الأصل وتحقيقًا لتعاون السلطات وتساندها، فقد عهد الدستور إليها، في حالات محددة، بأعمال تدخل في نطاق الأعمال التشريعية، من ذلك إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين".[١]

إلا أن هذا الأمر مقيد بعدم خروج من فوضه القانون بإصدار اللوائح التنفيذية على مقصد المشرع، بأن يبقى القرار أو اللائحة المنفذة للقانون مقيدة بعدم التعطيل أو التعديل أو الإعفاء من التنفيذ. وفي هذا الشأن، قررت المحكمة الدستورية العليا أيضاً:

"وحيث إن هذا النعي سديد في جوهره، ذلك أن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الأصل في اللوائح التنفيذية التي تصدر وفقًا لنص المادة (١٤٤) من الدستور الصادر سنة ١٩٧١، أنها تفصّل ما ورد إجمالاً في نصوص القانون بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها، وأن الغرض من صدور اللائحة التنفيذية للقانون يتعين أن ينحصر في إتمام القانون، أي وضع القواعد والتفاصيل اللازمة لتنفيذه مع الإبقاء على حدوده الأصلية بلا أدنى مساس، دون أن تنطوي على تعديل أو إلغاء لأحكامه، أو أن تضيف إليه أحكامًا تبعده عن روح التشريع, فيجاوز بذلك مصدرها الاختصاص الدستوري المخول له، متعديًا على السلطة التشريعية".[٢]

الأمر الذي يجعلنا نقول وبصدق إن المادة (١٥٣) من قانون العمل إنما جاءت خالية من أي تفويض للسلطة التنفيذية بإصدار أي قرارات في هذا الشأن، بل وإن معناها قد جاء تاماً لا يحتاج إلى قرارات شارحة أو منفذة، بأن وضحت آلية التعامل مع الجزاءات المالية منذ توقيعها على الموظف حتى صرفها في المقاصد التي حددتها ذات المادة: "للصرف على عمال المنشأة في الأغراض الاجتماعية والثقافية والرياضية".

وحتى إن ذات المادة قد وضحت ما لا يمكن أن يكون من ضمن مصارف هذه الحصيلة بقولها: "ولا يجوز صرف هذه المبالغ للوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في المادة (٢٧٢)" كما بينت كيفية التعامل مع هذه الحصيلة حال تصفية المنشأة بقولها: "وتوزع حصيلة تلك الأموال عند تصفية المنشأة بالتساوي على العمال الموجودين بها وقت التصفية".

الأمر الذي يدحض أي قول بأن هناك ضرورة لصدور قرار من الوزير المختص في هذا الشأن، كما يدحض أن يكون هناك أي جزء من الحصيلة يجب توريدها لأي جهات خارجية كما سيرد ذكره في "ثالثاً".

وأي قرار يصدر في هذا الشأن يبيح توريد جزء من حصيلة الجزاءات الموقعة على العاملين للمؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية إنما يمثل خروجاً عن التفويض الممنوح للسلطة التنفيذية في هذا الشأن، وهو ما قررت المحكمة الدستورية العليا عدم دستوريته بقولها:

"متى كان ما تقدم، وكان البين من مطالعة النصين المطعون عليهما والنصين المقابلين لهما في القرار الوزاري الأخير، أنها استحدثت وأضافت أحكامًا جديدة، تضافرت على معنى واحد، هو الخروج عن حدود التفويض الممنوح للوزير المختص... ، مما لازمه أن تكون النصوص الواردة بالقرارين... قد صدرت مجاوزة لحدد التفويض الممنوح للوزير المختص، إذ إنها لم تفصل أحكامًا أوردها المشرع إجمالاً في قانوني العمل الصادرين بالقوانين رقمي ١٣٧ لسنة ١٩٨١ و١٢ لسنة ٢٠٠٣، وإنما استحدثت نصوصًا جديدة لا يمكن إسنادها إلى هذين القانونين، وخرجت عن الحدود التي رسمتها المادة (١٤٤) من الدستور الصادر سنة ١٩٧١ للوائح التنفيذية؛ الأمر الذي يتعين معه القضاء بعدم دستوريتها، وسقوط ما ارتبط بها من مواد القرارين السالفي الذكر".[٣]

ثالثاً: توريد هذه الحصيلة يعتبر انتقاصاً لحقوق العمال التي لا يجوز الانتقاص منها بنص قانون العمل

إن أهم ما يمكن التأكيد عليه في هذا البحث هو أن توريد جزء من حصيلة الجزاءات الموقعة على العمال إنما يمثل انتقاصاً من حق قد كفله لهم القانون؛ ذلك أن اقتطاع جزء من حقوق العاملين في منشأة ما لتوريدها إلى المؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية – وإن كان يمثل منفعة عامة – إلا أنه يحرم عمال المنشأة التي تورد جزءاً من حصيلتها من المنفعة الخاصة.

ولما كان قانون العمل إنما وُضع بالأساس من أجل حماية الأوضاع الخاصة لكل من العامل وصاحب العمل باعتبارهما طرفي العلاقة التعاقدية الواقعة على العمل، فإن اقتطاع أي جزء من حصيلة الجزاءات لتوريدها إلى أي جهات خارجية إنما يمثل انتقاصاً من حق كفله قانون العمل ذاته، وذلك وفقاً لما نص عليه قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ في مواد إصداره بأن جاءت المادة الحادية عشرة في فقرتها الأخيرة بقولها: "...كما يُلغى كل حكم يخالف أحكام هذا القانون والقانون المرافق".

الأمر الذي يضحي معه قرار وزير العمل رقم ١٢٧ لسنة ٢٠١٤ لاغياً بقوة القانون؛ لأنه يمثل انتقاصاً من أموال الجزاءات التي من المفترض أن تصرف كلها على عمال المنشأة ذاتها في الأغراض التي حددتها المادة (١٥٣) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ دون أن يستقطع منها أي جزء صالح جهات خارجية حتى وإن كانت تمثل منفعة عامة. كما أنه لا يتوقع أن يصدر أي قرار في هذا الشأن مستقبلاً يبيح توريد جزء من الحصيلة لأي جهات خارجية عن المنشأة؛ ذلك أن المادة (١٥٣) إنما جاءت تامة موضحة لمصادر ومصارف الحصيلة فلا يجوز الخروج عليها.

وعلى هذا جرت أحكام القضاء بأن قررت محكمة النقض:

"ولما كانت أحكام قانون العمل... من النظام العام لا يجوز مخالفتها".[٤]

الجدير بالذكر في هذا الأمر هو أن مواد قانون العمل إنما تمثل الحد الأدنى من الحقوق التي يتمتع بها العمال، فيجوز أن تزداد تلك الحقوق ولكن لا يمكن أن تقل، وذلك تطبيقاً للمادة (٦) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ والتي جاء بها:

"يقع باطلاً كل شرط أو اتفاق يخالف أحكام هذا القانون، ولو كان سابقًا على العمل به، إذا تضمن انتقاصًا من حقوق العامل المقررة فيه.... . ويستمر العمل بأية مزايا أو شروط ".

لما كان ذلك، وكان المنطق القانوني البحت يؤكد أن اقتطاع جزء من حصيلة الجزاءات إنما يمثل تقليل المنفعة المباشرة التي ستعود على عمال المنشأة بأن كان هذا الجزء سيصرف عليهم في الأغراض الاجتماعية والثقافية والرياضية تطبيقاً لنص المادة (١٥٣) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥، فإنه لزاماً علينا أن نؤكد في نهاية بحثنا أنه لا وجود لأمر توريد جزء من حصيلة الجزاءات للمؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية في ظل مواد قانون العمل الحالي.

وإن كان ولا بد أن يصدر قرار وزاري في هذا الشأن، فإنه قد يقتصر على تحديد آلية التصرف في الحصيلة على عمال المنشأة؛ كأن يوضح تشكيل اللجنة التي تجتمع لإصدار أوامر الصرف وتوجيه المصروفات، وتوضيح التعامل في حالة اختلاف أعضاء هذه اللجنة، والمدد القصوى للتصرف في هذه الحصيلة، وهو أمر لا يمثل أي خروج على نصوص القانون الحالي.

رابعاً: خاتمة البحث

وترتيباً على ما تقدم من أسانيد قانونية، وحجج دستورية، واستقراء دقيق لاتجاهات الفقه والقضاء، نخلص في نهاية هذا البحث إلى كلمة الفصل في تلك المسألة؛ ومفادها أن الالتزام بتوريد ثلث حصيلة الجزاءات المالية لصالح المؤسستين الثقافية والاجتماعية العمالية (أو أي جهة خارجية أخرى) قد سقط وافتقد لسنده التشريعي بصورة قاطعة بمجرد دخول قانون العمل الجديد رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ حيز التنفيذ.

فقد انتقل المشرع بالمنشآت من مرحلة "التفويض المفتوح" للسلطة التنفيذية في القانون القديم، إلى مرحلة "الاستئثار والتنظيم الحصري المباشر" في القانون الحالي، جاعلاً من أموال الجزاءات حقاً خالصاً لا يجوز الانتقاص منه أو اقتطاعه، ليعاد تدويره بالكامل داخل المنشأة بما يخدم عمالها دون سواهم.

وإننا إذ نضع هذا البحث بين أيدي كل المهتمين بقانون العمل من مشتغلين في قطاع الموارد البشرية وشؤون العاملين، والعاملين بالمجال القانوني و القضائي فضلا عن القائمين على تنفيذ القانون فإننا نؤكد أن التمسك بحرفية النصوص الجديدة وإعمال مقتضاها ليس مجرد التزام بالشرعية القانونية فحسب، بل هو ترسيخ للعدالة القانونية وحماية للحقوق العمالية التي جعلها المشرع من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته أو النزول عنه.


الهوامش:

[١] حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في الدعوى رقم ١٦٦ لسنة ٢٠ قضائية "دستورية"، بجلسة ٤/٥/٢٠٢٤.

[٢] ذات الحكم السابق للمحكمة الدستورية العليا، الدعوى رقم ١٦٦ لسنة ٢٠ قضائية "دستورية"، بجلسة ٤/٥/٢٠٢٤.

[٣] ذات الحكم السابق للمحكمة الدستورية العليا، الدعوى رقم ١٦٦ لسنة ٢٠ قضائية "دستورية"، بجلسة ٤/٥/٢٠٢٤.

[٤] حكم محكمة النقض المصرية، الطعن رقم ٢٢٦٠ لسنة ٩٠ قضائية، بجلسة ٨/٢/٢٠٢٣.

No comments